محمد علي الحسن

138

المنار في علوم القرآن

نقول : عنى بهذه الآية كذا « 1 » ، فهي تحمل على التفسير إن ذكر فيها معنى تدل عليه الآية ، وتحمل على بيان سبب النزول إن ذكر فيها ما دعا إلى نزولها . مثال ذلك قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا . . [ النساء : 94 ] . فإنه إذا قيل : نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، مر بهم رجل من سليم ، وهو يسوق غنما له ، فسلم عليهم ، فقالوا : ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا ، فعمدوا إليه فقتلوه ، وأتوا بغنمه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . . . الحديث « 2 » . فكان ذلك بيانا لسبب نزولها ، وإذا قيل : نزلت في معاملة الناس بمقتضى ظواهرهم ، كان تفسيرا لها وبيانا لمضمونها ، ولغلبة استعمال هذه العبارة في التفسير ، قال الزركشي في البرهان : قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال : نزلت هذه الآية في كذا ، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم ، لا أن هذا كان السبب في نزولها . وما أكثر الآيات القرآنية المتضمنة للأحكام ، وجعلت هذه الأحكام أسبابا ، ومن أراد معرفة ذلك فلينظر إلى تفسير الآيات : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] . وقوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [ التوبة : 122 ] . ثالثا : طريق معرفة أسباب النزول : يقول الواحدي في مقدمة كتابه : ( كل آية لها سبب مقول مروي منقول ) « 3 » . وعلى هذا فلا يحل القول في أسباب النزول إلّا بالرواية والسماع . ممن شاهدوا التنزيل ، ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها وجدّوا في الطّلاب ، وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار في هذا العلم بالنار ، لما رواه ابن عباس قال : قال رسول

--> ( 1 ) مقدمة في أصول التفسير ص 48 ، تحقيق د . عدنان زرزور ، والإتقان 1 / 89 . ( 2 ) ذكره السيوطي في اللباب وقال رواه البخاري ح ( 4591 ) والترمذي ح ( 3030 ) والحاكم وغيرهم . ( 3 ) أسباب النزول ص 17 .